رأى ماهدر نسيبو، الباحث في منصة «هورن ريفيو» أن مصر كثّفت تحركاتها لتطويق منافستها الإقليمية إثيوبيا، بعدما استضافت مدينة العلمين قادة إريتريا والصومال، إلى جانب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، في قمة ركزت على أمن المنطقة واستقرارها. وأوضح أن التحالف الذي تتشكل ملامحه يهدف إلى زيادة الضغط على أديس أبابا، في وقت تحقق فيه القوات الإثيوبية مكاسب ميدانية على حساب الجماعات المسلحة المتمردة، ما يثير تساؤلات بشأن مآلات المواجهة والتوازنات المقبلة في القرن الإفريقي.


وفي تحليل نشرته منصة «هورن ريفيو»، استعرض نسيبو حسابات القاهرة وأسمرة والخرطوم ومقديشو، موضحًا كيف تتداخل الخلافات بشأن مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر مع الحرب في السودان والصراع الداخلي الإثيوبي، وكيف قد تؤثر هذه التطورات في فرص إثيوبيا لتأمين منفذ بحري وفي مستقبل التنافس الإقليمي.

 


إثيوبيا تواجه تحالفًا مناهضًا لها وسط تجدد القتال في تيجراي


برزت استراتيجية مصر الرامية إلى بناء علاقات مع الدول المحيطة بمنافستها الرئيسية في القرن الإفريقي، إثيوبيا، خلال الأسبوع، مع استضافة العلمين قادة إريتريا والصومال وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في قمة قُدّمت باعتبارها معنية بأمن المنطقة واستقرارها.


وجاءت القمة في أعقاب اندلاع مواجهات داخل إثيوبيا بين الحكومة الفيدرالية والميليشيات المتحالفة معها من جهة، وائتلاف من الجماعات المسلحة المتمردة تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من جهة أخرى. وبدأ القتال في 23 سبتمبر، عندما شنّت الجبهة هجومًا على مواقع للقوات الفيدرالية في إقليمي أمهرة وعفر المجاورين. وسرعان ما استعادت القوات الحكومية زمام المبادرة، وتقدمت إلى إقليم تيجراي نفسه، فيما أشارت تقارير حديثة إلى استعادتها السيطرة على ميكيلي، عاصمة الإقليم.


وتزامن تقدم الجبهة مع تأكيد حجم المشاركة الإريترية في القتال. وقال مسؤولون إثيوبيون، من بينهم رئيس إقليم عفر، إن قوات الدفاع الإريترية شاركت مباشرة في المواجهات إلى جانب الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، المعروف باسم قوات دفاع تيجراي.


ولم يكن هذا التطور مفاجئًا، إذ اتجهت إريتريا، منذ انتهاء الحرب السابقة في تيجراي التي خاضتها الأطراف نفسها إلى حد كبير، نحو تعزيز علاقاتها بالجبهة ومجموعة أوسع من الجماعات المتمردة داخل إثيوبيا، التي تتفق جميعها مع أسمرة على معارضة الحكومة الإثيوبية.


وتضم هذه الجماعات، إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، قوات فانو في إقليم أمهرة، وجيش تحرير أورومو في إقليم أوروميا، وفصائل أصغر مثل جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفر. وتشكل هذا الائتلاف قبل اندلاع القتال بأيام قليلة، ويحمل بصمات واضحة لحسابات أسمرة ونفوذها. ويشير الكاتب إلى أن دعم الجماعات المسلحة بالوكالة لمواجهة إثيوبيا شكّل سمة بارزة في السياسة الخارجية الإريترية، ويبدو أنه عاد بقوة في المرحلة الراهنة.


وترجع هذه الاستراتيجية إلى انهيار العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة عقب اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب السابقة بين الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي والحكومة الفيدرالية الإثيوبية. ولم ترضَ إريتريا بنتائج الاتفاق، فبدأت بالفعل الابتعاد عن إثيوبيا، قبل أن تتدهور العلاقات بصورة أكبر بعدما أعلنت أديس أبابا طموحها إلى تأمين منفذ سيادي إلى البحر الأحمر.


وأعاد هذا الطموح فتح ملفات استقلال إريتريا قبل ثلاثة عقود، إذ ترى إثيوبيا أن انفصالها حرمها من ساحلها بموجب عملية غير عادلة وغير قانونية وفقًا لقوانينها المحلية، وجردها من ميناء عصب الذي كان يخدم إثيوبيا حصريًا قبل استقلال إريتريا.


وتؤدي مصر دورًا محوريًا في هذه التحركات، إذ تدير استراتيجية أوسع لتطويق إثيوبيا، وتشكل إريتريا نقطة الضغط الأكثر حدة فيها. ويؤدي كل من الجيش السوداني والحكومة الصومالية أدوارًا مكملة لهذه الاستراتيجية، لكن القاهرة تعتمد بصورة أساسية على أسمرة لممارسة الضغط على أديس أبابا.

 


صراع النيل والبحر الأحمر يعزز التقارب بين مصر وإريتريا والسودان والصومال


يشكّل التنافس المصري الإثيوبي أحد أبرز محركات الجغرافيا السياسية في القرن الإفريقي. فقد اختلف البلدان بشأن نهر النيل لعقود طويلة، إن لم يكن أكثر، لكن التوترات ظهرت بوضوح بعدما وضعت إثيوبيا حجر الأساس لسد النهضة الإثيوبي الكبير عام 2011، في مشروع غيّر بصورة جوهرية موقع مصر المهيمن على حوض النهر.


وعجزت القاهرة عن منع أديس أبابا من بناء السد وملء خزانه واستكمال المشروع في سبتمبر الماضي. وتعتزم إثيوبيا الآن بناء ثلاثة سدود أخرى لتوليد الطاقة الكهرومائية على النيل، وهو احتمال دفع مصر إلى تشديد سياستها الرامية إلى إضعاف استقرار إثيوبيا وتماسكها، وتعزيز تقاربها مع إريتريا.


ولا تزال طبيعة الدور المصري المباشر في الأحداث الميدانية غير واضحة، رغم اعتقاد مسؤولين إثيوبيين بأن هذا الدور عميق. لكن الكاتب يرى أن انخراط القاهرة يتجلى بوضوح في علاقتها النشطة مع إريتريا، التي تعززت خلال العامين الماضيين عبر زيارات متكررة بين قيادتي البلدين وخطاب مشترك يركز على السيادة ووحدة الأراضي.


وظهر هذا الخطاب بوضوح في إعلان القمة، الذي شدد على أن البحر الأحمر حق حصري للدول المطلة عليه، في رسالة تستهدف طموح إثيوبيا إلى الوصول إلى هذا الممر المائي، رغم أنها لا تمتلك ساحلًا بحريًا.


ويؤدي السودان، الذي دخل عامه الرابع من الحرب الأهلية المدمرة، دورًا استراتيجيًا في حسابات القاهرة. ويخوض الجيش السوداني بقيادة البرهان حربًا ضد قوات الدعم السريع، وهي قوة عسكرية موازية أنشأها الرئيس السوداني السابق عمر البشير. ويتمحور الصراع الحالي إلى حد كبير حول التنافس على السلطة بين البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، ويحظى الطرفان بدعم خارجي كبير.


وتُعد مصر من أبرز الداعمين الخارجيين للبرهان، إلى جانب إريتريا. ولا يقتصر دعم القاهرة على الجوانب العسكرية، بما فيها الإمدادات اللوجستية والضربات الجوية، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ الاعتراف بالجيش السوداني باعتباره الممثل الشرعي للدولة السودانية، وهو وضع حاسم في حربه ضد قوات الدعم السريع وفي مساعيه لإدارة البلاد بعد أي انتصار محتمل.


ويشير نسيبو إلى أن مصر تعاملت عمليًا مع الجيش السوداني باعتباره الحكومة السودانية، لكن هذا التقارب جاء بتكلفة سياسية؛ إذ أسهم تنامي نفوذ القاهرة على الجيش في الإضرار بعلاقاتها مع إثيوبيا، بعدما تراجع الجيش السوداني عن موقفه السابق الأكثر تقبلًا لسد النهضة، واقترب من الموقف المصري المعارض له.


والأكثر أهمية أن السودان انخرط بدوره في خصومة متصاعدة مع إثيوبيا. فقد تصاعدت التوترات منذ عام 2020، عندما تحرك الجيش السوداني للسيطرة على منطقة حدودية متنازع عليها، ثم دعم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي خلال الحرب السابقة. وتدهورت العلاقات أكثر بعدما اتهم الجيش السوداني إثيوبيا مرارًا بدعم خصمه، قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا.


وفي الوقت نفسه، أصبح السودان مركزًا للجماعات المتمردة الإثيوبية، ونقطة التقاء بين الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، التي يشارك مقاتلوها ضمن صفوف الجيش السوداني، وإريتريا التي وسّعت وجودها داخل الأراضي السودانية من خلال دعم قوات البرهان. وبذلك، تحوّل السودان إلى حلقة أخرى في استراتيجية إريتريا الأوسع لدعم الجماعات المسلحة بالوكالة.


أما الصومال، فيبدو دوره أقل وضوحًا. فقد حضر الرئيس حسن شيخ محمود القمة بعد أيام قليلة من لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، كما أعلن في الفترة نفسها تأييده سعي إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر، شريطة التفاوض بشأن ذلك. ومع هذا، شهدت الصومال في عهده توسعًا في النفوذين المصري والإريتري، بالتزامن مع تراجع العمق الاستراتيجي الإثيوبي داخل البلاد.


ويرتبط هذا التوتر بملف أرض الصومال، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي فعلي داخل الأراضي الصومالية وتسعى منذ سنوات إلى الاعتراف الدولي، بما في ذلك من إثيوبيا التي ترى فيها مسارًا محتملًا للوصول إلى البحر. كما سعت أرض الصومال إلى الحصول على اعتراف إسرائيل والولايات المتحدة، واعترفت بها إسرائيل في ديسمبر الماضي.


وردًا على مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا وأرض الصومال عام 2024، قبل تعليقها لاحقًا، سعى الرئيس الصومالي إلى تقليص دور إثيوبيا في المنظومة الأمنية الصومالية، بما في ذلك عمليات مكافحة حركة الشباب ومشاركتها في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوسوم» (AUSSOM).


وللمرة الأولى في تاريخ البعثة، وافقت مقديشو على دخول نحو ألف جندي مصري، ما وضع قوات مصرية على مقربة مباشرة من الحدود الإثيوبية. ويشعر الرئيس الصومالي بقلق واضح إزاء احتمال اكتساب أرض الصومال مزيدًا من الشرعية الدولية، لا سيما بعد الاعتراف الإسرائيلي بها. وقد دفعه ذلك إلى التقارب مع مصر، التي دعمت بدورها مطالبة الصومال بالسيادة على أرض الصومال مقابل تعزيز التنسيق بينهما.

 


مكاسب القوات الإثيوبية تضع مستقبل التحالف الإقليمي أمام اختبار


قد توحي هذه التطورات بأن إثيوبيا تتراجع أمام الضغوط المصرية، وأن استراتيجية القاهرة بدأت تحقق أهدافها. لكن التطورات نفسها التي دفعت إلى عقد القمة، وفي مقدمتها الأزمة الأمنية داخل إثيوبيا، تشير إلى أن أديس أبابا تحتفظ بموقع أقوى مما توحي به هذه الصورة.


فقد نجحت القوات الفيدرالية الإثيوبية في إحباط هجوم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وتواصل التقدم داخل الإقليم، ما كشف عن تفاوت كبير في موازين القوة بين الائتلاف المتمرد وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية.


كما اتخذت إثيوبيا خطوات حازمة، إذ يبدو أن طردها عشرة دبلوماسيين إريتريين ودبلوماسي مصري واحد من أديس أبابا جاء ردًا على دور إريتريا ومصر في دعم الجماعات المتمردة.
 

ولا تزال إثيوبيا تتمتع بعلاقات قوية مع حلفاء إقليميين، من بينهم الإمارات وإسرائيل وتركيا، تدعم جميعها، لأسباب ومصالح متقاطعة، مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر.
 

وفي رد غير مباشر على القمة وإعلانها، أصدرت وزارة الخارجية الإثيوبية بيانًا قللت فيه من أهمية الاجتماع، مؤكدة أنه لن يغيّر شيئًا على أرض الواقع، سواء بشأن البحر الأحمر أو نهر النيل، ومشددة على أن إثيوبيا ستواصل السعي إلى تحقيق مصالحها بصرف النظر عن هذه التحركات.


ويصعب التنبؤ بالنتائج النهائية لهذه المواقف. فقد حققت الاستراتيجية المصرية تاريخيًا نتائج محدودة، خصوصًا في مساعيها السابقة لمنع بناء سد النهضة واستكماله. ومع ذلك، قد يدفع النهج المصري الأكثر تشددًا تجاه إثيوبيا أديس أبابا إلى تقديم تنازلات بشأن مياه النيل، في الوقت الذي يزيد فيه ابتعادها عن البحر الأحمر.


لكن الكاتب يرى أن إثيوبيا قد تتعامل مع التطورات الأخيرة، بما فيها مشاركة إريتريا المباشرة في المواجهات ضدها، باعتبارها فرصة لإعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية. وربما يقود التصعيد مع إريتريا إلى إعادة فتح النقاش بشأن حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر، وهو ملف قد يتحول إلى محور رئيسي في المرحلة المقبلة من الصراع الإقليمي.

 

https://hornreview.org/2026/10/05/egypt-displays-its-anti-addis-coalition-as-ethiopia-gains-against-rebels-what-comes-next/